الشيخ محمد النهاوندي

72

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

أَمْ هم خَلَقُوا بقدرتهم السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فلا يستدلّون بهما على وجود الصانع القادر الحكيم ؟ لا واللّه لا يقولون بأنّهم خالقهما بَلْ يشكّون في خالقهما و لا يُوقِنُونَ بالنظر إلى الآيات الآفاقية والأنفسية المذكورة بأنّ اللّه خالقهما وخالق كلّ شيء ، وإلّا لما أعرضوا عن عبادته ، وما أنكروا قدرته على البعث أَمْ عِنْدَهُمْ وتحت تصرّفهم خَزائِنُ رحمة رَبِّكَ حتى يعطوا النبوة من شاءوا ويمنعوها عمّن شاءوا ؟ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ والغالبون على من له الخزائن حتى يجبروه على الاعطاء والمنع على وفق إرادتهم وهوى أنفسهم ؟ أَمْ لا يحتاجون إلى الرسول ، بل لَهُمْ سُلَّمٌ يصعدون فيه إلى السماء ، و يَسْتَمِعُونَ من الملائكة ما يحتاجون إلى العلم به من الأحكام وسائر الأمور حال كونهم صاعدين فِيهِ ؟ فان كانوا يدّعون ذلك فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ من الملائكة بصعوده إلى السماء بِسُلْطانٍ مُبِينٍ وبرهان واضح على استماعه وصدقه في دعواه . [ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 39 إلى 43 ] أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ( 39 ) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ( 40 ) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ( 41 ) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ( 42 ) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 43 ) ثمّ وبّخ جماعة من قريش على قولهم : إنّ الملائكة بنات اللّه ، وعبادتهم إياهم لكونهم أولاده بقوله : أَمْ لَهُ الْبَناتُ اللاتي هنّ أخسّ الأولاد عندكم وَلَكُمُ أيّها السّفهاء الْبَنُونَ الذين هم أشرف الأولاد ؟ قيل : إنّ الالتفات من الغيبة إلى الخطاب للتشديد والتوبيخ « 1 » . قيل : فيه إيذان بأنّ من هذا رأيه لا يعدّ من العقلاء فضلا من أن يرقى إلى السماء ويطلّع على الأسرار الغيبية « 2 » . ثمّ لمّا كان ظهور نبوة النبي صلّى اللّه عليه وآله بحيث لم يبق لأحد مجال الشكّ والانكار ، أعرض سبحانه عن المشركين ، ووجّه خطابه للنبي صلّى اللّه عليه وآله بقوله : أَمْ تَسْئَلُهُمْ وتطلب منهم على تبليغ الرسالة أَجْراً وجعلا من المال فَهُمْ لأجل ذلك مِنْ مَغْرَمٍ ومال ألزمتهم بأدائه إليك مُثْقَلُونَ ومتقاعدون عن الايمان بك واتّباعك ، الثقل أجرك عليهم ؟ وفيه تسلية النبي صلّى اللّه عليه وآله وإظهار عدم تقصيره في أداء وظيفته أَمْ لا يحتاجون إلى الرسول ؛ لأنّ عِنْدَهُمُ اللوح المحفوظ الذي فيه الْغَيْبُ وما لا يعلم به إلّا بإعلام اللّه فَهُمْ يَكْتُبُونَ ما فيه ليبقى في حفظهم ، ويراجعون إليه عند نسيانهم شيئا منه ، ولذا لا يتّبعونك ؟ أيكتف المشركون بتلك التّرّهات ولا أقاويل الباطلة أَمْ يُرِيدُونَ مع ذلك

--> ( 1 و 2 ) . تفسير أبي السعود 8 : 151 .